ناتسوكا شي (なつかしい) كلمة يابانية تصف الأشياء الصغيرة التي تستحضر ذكريات الماضي. لا توجد كلمة تصف بشكل أفضل بدء رحلة عبر اليابان التقليدية من هيروشيما، تلك المدينة الحديثة الصاخبة التي تحمل في قلبها ذكرى حزينة: نصب السلام التذكاري. بعد أن تطلق طائرتك الورقية الأوريغامي على الماء محمولة ببتلات الزهور، اركب معنا واغمر نفسك في عالم يختلط فيه الماضي بالمستقبل في أدق التفاصيل.
شرق وغرب المضيق
شيمونوسكي (بمعناه الحرفي «غرب المضيق») ترحب بالمسافرين الراغبين في تذكّر كيف يمكن لبلدة صغيرة أن تصبح موقعاً استراتيجياً في التاريخ. منذ أول حرب أهلية واسعة النطاق في اليابان، حرب جيمبي في أواخر القرن الثاني عشر، وحتى الإطاحة بشوغونية توكوغاوا خلال استعادة ميجي (1864)، ظلت المدينة تحتل موقعاً استراتيجياً في صراعات السلطة المحلية. وبينما تتجول عبر صفحات التاريخ، استمتع بمنظر المضيق من منطقة موجيكو ريترو تاكاساكي وتذوق السوشي والساشيمي الطازج في سوق كاراتو. وإن كنت من المغامرين، فالسوق نفسه يقدم أيضاً سوشي الفوجو الأصلي (سمك النفاخ)!
على الجانب الآخر من مضيق كانمون تكمن بوسان، ثاني أكبر مدن كوريا الجنوبية، والمعروفة بوجود أكبر مركز تسوق في العالم. لكن إن رغبت في رؤية ما لا يراه الآخرون، ندعوك لاكتشاف القلب الروحي للمدينة في معبد بوموسا الأسطوري، ذلك الملاذ الهادئ الممتلئ بالكنوز القديمة، وتنقل في الأزقة المزدحمة لسوق جوكجي القديم، واستكشف تراث بوسان الغني من خلال التحف والكنوز الثقافية في متحف بوسان. ستجمع ذكريات فريدة باتت من الصعب العثور عليها.

عن الأشباح والطبيعة
تأخذك رحلتك الآن إلى ساكايميناتو، مهد ميزوكي شيغيرو. يجذب منزل واستديو هذا المؤلف الشهير لمانغا جماهير من مختلف أنحاء العالم سنوياً. تبنّت المدينة هذه الروح لدرجة أنها زينت شوارعها بتماثيل برونزية لشخصيات من أعماله، خصوصاً اليوكاي (الأشباح اليابانية)، وأطلقت على نفسها اسم «مدينة الأشباح».
اختر أن تمدد ساقيك وتستمتع بنزهة على جبل دايسن، أعلى جبل في المنطقة (1730m)، أو تمشٍ ألطف عبر حدائق يوشي-إن التي تضم عناصر متنوعة من المناظر الطبيعية، من حدائق إلى شلالات وجداول وحدائق صخرية. في كلتا الحالتين، ستتعلم شينرين-يوكو، أي الاستحمام في أجواء الغابة، لتتذوق هدوءها وجمالها عبر حواسك.
كيوتو خارج كيوتو
قلة من الزوار الدوليين يدركون أن مدينة كيوتو نفسها ليست سوى جزء من مقاطعة أوسع بكثير. فعبر محافظة كيوتو بأكملها ستجد مايزورو، المسماة «كيوتو على البحر». هذه المدينة البحرية مسكونة منذ عصور ما قبل التاريخ وشاركت دورياً في فترات حرب الولايات المتحاربة في اليابان (1467–1603). كانت موطنًا للمنطقة البحرية في كوري، التي بنت أكبر سفينة حربية على الإطلاق؛ وكانت هذه المدينة الساحلية الاستراتيجية في هيروشيما ومايزورو بمثابة أختين. مكان مثالي لعشاق التاريخ، ولا سيما المهتمين بعمق بالحرب العالمية الثانية، يحتفظ منتزه مايزورو ذي الطوب الأحمر بمستودعات من الطوب الأحمر تعود إلى فترة ميجي (1868–1912). اليوم تُعتبر المباني الاثنا عشر في الموقع ممتلكات ثقافية ذات أهمية وطنية، وبقايا صامدة لفترة من تاريخ اليابان التي نادراً ما تظهر في السياحة الدولية خارج هيروشيما. وعند المغادرة، لا تنسَ الصعود إلى السطح للاستمتاع بمنظر خليج مايزورو: ستمر إلى جانب عدد من سفن قوات الدفاع الذاتي البحرية اليابانية (JMSDF) وستتمكن من الاطلاع عن قرب على هذه السفن القوية.

الولائم والزهد
غارقة في التاريخ، كانت جزيرة سادو مكان نفي للمعارضين السياسيين، بمن فيهم الأباطرة والمسؤولون والفنانون. جلب هؤلاء المنفون ثقافاتهم ودينهم الفريد، وأسسوا أضرحة ومعابد مصممة على غرار العاصمة القديمة كيوتو. شهدت الجزيرة أيضاً حمى التنقيب عن الذهب عندما اكتُشفت عروق كبيرة من الذهب والفضة واحدة تلو الأخرى، فأصبح منجم ذهب سادو واحداً من أكبر مناجم الذهب في العالم. اليوم تشتهر هذه الجزيرة المحفوظة جيداً بمأكولاتها البحرية الطازجة وتقاليد فخورة في صنع الساكي لدى خمسة مصانع للساكي.
تتسع تقاليد التخمير أكثر في ساكاتا (بمعنى حرفي: «تل الأرز»). من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر، سهل طريق شحن في بحر اليابان لتجار أغنياء تداول الأرز والمنتجات المحلية من هوكايدو إلى كيوتو وطوكيو. استخدم أحد هؤلاء التجار ثروته لجعل وطنه يزدهر. ساهم ميتسوكا في التطور الاقتصادي والثقافي للمدينة وشرع في مشروع كبير لزراعة الأشجار على طول الساحل لحماية المدينة من الرياح القوية. لا يزال بطلاً محلياً حتى اليوم، تاركاً تراثاً كبيراً في ساكاتا إلى جانب تجار آخرين، من منزله القديم إلى بيوت شاي المايكو وفنادق ومطاعم فاخرة. من ناحية أخرى، إن رغبت في مشاهدة تفانٍ اليابانيين الديني في المنطقة المحيطة بساكاتا، فاطلب رؤية السوكوشينبوتسو في سانجين غوسايدن. خلال فترة إيدو، سعى العديد من الرهبان المتنسكين الجبليين إلى تمرينات صارمة في التأمل والصوم التدريجي، بهدف الوصول إلى التحنيط الذاتي. يوجد اليوم أكثر من اثني عشر سوكوشينبوتسو متبقياً في اليابان، وستة منها في شوناي (منطقة حول ساكاتا)، أكثر من أي منطقة أخرى.

غابات زرقاء وجداول هادئة
آوموري («الغابة الزرقاء») اشتُق اسمها من معلم غابي من أشجار الصنوبر كان صيادون يستخدمونه كدليل بصري. يمتد منتزه سانريكو فوكو الوطني من هاتشينوهي إلى كيسينومّا في محافظة مياغي، على مسافة 220 كيلومتراً، وتحتضن جبال شيراكامي أكبر غابة زان بكر في العالم، وهي موقع تراث عالمي. انطلق في رحلة عبر الزمن في موقع سانّاي ماروياما، حيث ستسير فوق أساسات قرية مهمة من عصر جومون تعود لما يقارب 6000 عام، وشاهد تمثال شووا دايبوتسو الضخم، أكبر بوذا برونزي جالس في اليابان، وتأمل البرج الخماسي الطوابق في معبد سيريوجي.
بعد أن تستعاد حيويتك، ترسو في أوتارو. عد بالزمن مرة أخيرة من خلال نزهة على الواجهة المائية في حي القنوات الجذاب بالمدينة، واستكشف المتاجر والمطاعم والمتاحف التي تصطف على جوانبها. خلال النصف الأول من القرن العشرين، كانت السفن الصغيرة تنقل البضائع إلى التخزين في مستودعات القنوات ذات الطوب الأحمر. في ثمانينيات القرن العشرين، جُدّدت القناة بشكل جميل، وتحولت المستودعات إلى مواطن لمجموعة متنوعة من المتاجر والمطاعم. تستمر رحلة عبر الزمن على طول شارع ساكايماشي، ذلك الشارع التجاري التقليدي المحفوظ جيداً، لاستكشاف بعض متاحفه الغريبة قبل أن تتجه ربما إلى غداء سوشي مستحق.
العودة إلى المستقبل
أينما أخذتك رحلتك، ومع سفينتنا البوتيكية التي تعبّد لك كل لحظة من البداية حتى النهاية، ستبقى ذكريات «ناتسوكا شي» التي صنعتها حاضرة إلى الأبد.
كلوديا ريستا